من أنا

صورتي
الدمام, المنطقة الشرقية, Saudi Arabia
كاتب يكتشف يوماً إثر يوم كم هو عاجز عن تتويج حروفه ما يلزمها من نقاط.

الأحد، 13 مايو 2012

كم نشبه العالم و كم لا يشبهنا

مراجعة و إسقاط  لكتاب

"مقدمة قصيرة عن الرأسمالية"

 
يقع كتاب مقدمة قصيرة عن الرأس مالية لجيمس فلوتشر
 أستاذ علم الاجتماع بجامعة ليستر في 180 صفحة من القطع
 المتوسط، وهو كما يومئ عنوانه يحمل موجزاً مهماً عن الرأسمالية ونشأتها وتطورها على مدى التاريخ إلى انتصارها كنمط اقتصادي عالمي وحيد بعد انتهاء منافسها الاشتراكي في تسعينيات القرن الماضي.
عبر فصول الكتاب يمر الكاتب بتعريف الرأسمالية و مكان ولادتها و أنواعها المختلفة إذ أن الرأسمالية تتنوع بين الرأسمالية الفوضوية حيث لا تحضى أنشطة أصحاب المشروعات الرأسمالية بهيمنة أو سيطرة من قبل الدولة أو أي من التنظيمات العمالية.
 أما الرأسمالية المنضبطة فهي تلك التي يزداد حجم تدخل الدولة في ضبط التعاملات الرأسمالية و تقنين انشاطتها.
و لكي يبرهن أن الرأسمالية ليست نمطاً واحداً لا يتغير، بل هو نظام تحدده طبيعة وظروف المجتمع،مع مشتركات اساسية بين مكونات الرأسمالية في تلك البلاد الصناعية، يختار الكاتب 3 نماذج رأسماليه؛ السويد من أوربا و اليابان من أسيا  ثم الولايات المتحدة الأمريكية.
فغياب الطبقة الارستقراطية و المجتمع اللامركزي كانت من مميزات المجتمع الأمريكي أما اليابان فقد كانت رأسماليتها منضبطة منذ البداية أي أن الدولة كانت لها اليد الطولى في تنميط العلاقة بين أصحاب رأس المال و العاملين إما السويد فقد مرت بسبب ارثها الطبقي الأوربي خلال صراعات أصحاب العمل و العمال الكلاسيكية.
و يجيب الفصل الخامس بالتفصيل على سؤال هل أصبحت الرأسمالية عالمية؟
بأن أول خرافة هي أن الرأسمالية العالمية من الظواهر المستجدة على عالمنا! فهي قديمة منذ القرنين الخامس عشر و السادس عشر و يذكر في الفصل نفسه تحليل جوزف ستيجليتز( Josef stiglitz) مدير البنك الدولي بين 1997م -2000م  لتجربة الصين و روسيا في الولوج إلى عالم الرأسمالية فقد أدت نصيحة صندوق النقد الدولي بروسيا إلى تنفيذ سياسة (العلاج بالصدمة) مما خلف حالات من الفقر العام و الشامل و كان حظ الصين أوفر بكثير إذ استخدمت الانتقال المتدرج الذي نتج عنه، حسب جوزف، اكبر عملية تقليص للفقر في التاريخ في مثل ذلك الزمن القصير.
ويؤكد الكاتب أن المعارضة للرأسمالية مازالت موجودة ويضرب بذلك مثلاً بتنظيم التظاهرات الضخمة في مواعيد الاجتماعات و المؤتمرات الاقتصادية الدولية بيد أن ضعف الحركة المضادة للرأسمالية على الرغم من قدرتها على جذب تأييد كبير لها هو انها لا تطرح بديلاً اقتصادياً صالحاً بالطريقة التي كانت عليها الاشتراكية ذات يوم.
كم نشبه العالم؟
أثناء قراءتك للكتاب سيجذبك ذلك السرد الممتع للصراع التاريخي الذي وقع بين أصحاب العمل و بين العمال فرادى ثم مع الاتحادات العمالية بعد نجاحهم في تكوين اتحادات تدافع عنهم و تكون سداً أمام شره أصحاب العمل،  لكي يتحقق الوضع النهائي للرأسمالية المعاصرة الذي يتحدد بثلاث قوى مهمة متجاذبة تحفظ للمجتمع اتزانه  وهي الدولة و أصحاب العمل و اتحاد العمال. ويذكر الكتاب تجاذبات عدة لهذا المكون الثلاثي المتصالح أحيانا و المتنافر أحيانا أخرى في أوساط المجتمعات الصناعية.
وحتما سيدرك القارئ المطّلع اثر ذلك التاريخ من الصراع على الشخصية المعاصرة لمواطن تلك الدول الصناعية؛ في طريقة التزامه، و تفانيه، وتقديره للوقت، وسيدرك أيضا عبث محاولة تكوين نموذج إنساني مماثل لدينا متخذين من المواعظ الدينية و الإجراءات الرقابية و المحاسبية وسيلة لذلك في وسط لم يتحقق فيه بعد شرط الدولة العصرية الحقيقي بأبعاده السياسية و الاقتصادية، وحيث لا يمكنك أن تجبر الآخرين على عدم النظر حولهم لحالات الثراء التلقائي الفاحش لأفراد أسر عليا مزمنة في المجتمع، فيتحول العامل أو الموظف المحلي في هذا الاقتصاد الريعي الضخم إلى طفيلي أو انتهازي في أحسن الأحوال.
في تاريخنا القريب في مطلع الخمسينيات الميلادية من القرن العشرين ظهر ما يشابه ذلك الصراع الطبقي بين صاحب العمل المتحالف مع الدولة و العمال الوطنين حين توفرت شروط الصراع فالمنطقة التي نتحدث عنها في السعودية كانت المنطقة الوحيدة الصناعية في ذلك الوقت و اقصد بها منطقة النفط بالمنطقة الشرقية.
و من الضروري التقيد بهدف هذه السطور الذي هو  ليس السرد التاريخي لتلك الملحمة التي سطرها العاملون في شركة النفط (ارامكو) بالمنطقة الشرقية بدءاً من سنة 1952م بقدر ما هو  رصداً لذلك الشبه الذي يربطها بالحركات العمالية الباحثة لنفسها عن مكان في عالم تتقاسم فيه المنافع بين رؤوس الدول و أصحاب العمل.
 تشبه مطالب العاملين الوطنيين في ارامكوا سنة 1952م ما تمخض عن الحركات العمالية في العالم كان من ضمن تلك المطالب:
-         ضمان حق التنظيم النقابي.
-         زيادة الأجور.
-         قطع دابر التمييز العنصري.
-         توفير مساكن جديدة للعمال.
-         دفع أجور النقل.
-         اعتماد اللغة العربية في المدارس.
مرت الحركة العمالية بحالة اضطهاد مريرة تحت تحالف الدولة و صاحب العمل لكن
ما يدعو للدهشة و الفخر تلك الروح العجيبة و الإصرار و التفاني لتحقيق تلك المطالب مدفوعين بوعي حقوقي مبكر حيث أننا نتكلم عن زمن يبعدنا عنه 60 سنة.
و لعل إلغاء الرق و تأسيس مدارس البنات اللذان دشنا في عهد الملك الإصلاحي وقتها فيصل بن عبد العزيز ظهرا أول ما ظهرا كمطلبين أساسيين ضمن مطالب سياسية عدة ظهرت سنة 1953م كامتداد لمطالب العمال الأنفة الذكر.
وجه آخر للشبه ففي صفحة 40 يذكر الكاتب أمراً كان يحدث في القرن الخامس عشر زمن الإقطاعية الأوربية الشرسة واستمر في حدوثه إلى القرن التاسع عشر يشبه إلى حد كبير ما يحدث لدينا الآن بعد مرور6 قرون ألا وهو ما أطلق عليه الكاتب التطويق أو في لهجتنا المحلية (التشبيك) يقول الكاتب "لقد قامت الحركة الإقطاعية بإحاطة الأراضي بالأسوار – حتى أنهم – في بعض ألأحيان  كانوا يسورون الأرض المشاع و يحيلونها إلى ملكية خاصة ويطردون منها بالقوة من كانوا ينتفعون بها كملكية عامة (....) و تمخض ذلك عن تقسيم الأرض الزراعية إلى مساحات منفصلة بأسوار  يملكها أفراد"ص40، ص41
يبقى أن نذكر أن تلك الأراضي المطوّقة في ماضي أوربا القروسطي كانت غالباً تستخدم  للزراعة لسبب أنها كانت مصدر النشاط الأبرز في ما قبل التصنيع بينما يلتهم العقار مصير الأراضي المشبكة لدينا أو ما يسمى المنح لنفس السبب وهو استغلال  مصدر الحاجة الأساسية للأفراد.
ضمن القصص الطريفة في الكتاب و التي أجدها وجه آخر للشبه بيننا وبين العالم و بين العالم وبين نفسه ما حدث في أمستردام القرن ال17 و التي تسمى فقاعة الزنابق. فقد أدى ارتفاع الطلب على بصيلات الزنابق حينها وقلة المعروض منها إلى ارتفاع أسعارها، أدى ذلك الارتفاع لظهور سوق لعقل الزنابق ثم تطور الأمر إلى خلق سوق مستقبلية؛ أي تداول على زنابق لم توجد بعد. أصبحت المتاجرة بالزنبق المستقبلي فقاعة كبيرة بسبب المضاربات، و الجدير بالدهشة و كما حصل من دخول غير المستثمرين العارفين بسوق المال لدى أسواقنا المالية و أسواق الخليج بل العالم فلم يكن اللاعبين الأساسيين في أزمة الزنابق هم التجار لكن تضخمهاالفقاعي الهائل ، إن صح التعبير، جاء نتيجة تورط أناس عاديون باحثون عن الثراء من نساجين وبنائين و نجارين و صانعي أحذية قاموا بتدبير رأس المال بالاستدانة أو رهن ممتلكاتهم و بكل ما أتيح لهم من وسائل.