من أنا

صورتي
الدمام, المنطقة الشرقية, Saudi Arabia
كاتب يكتشف يوماً إثر يوم كم هو عاجز عن تتويج حروفه ما يلزمها من نقاط.

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

الآيسكريم , قصة قصيرة





في انتظار المحرم أمام باب المول الرئيسي و من ثقبين اعتادت أن ترى العالم الخارجي من خلالهما رأته.
شابٌ ذو شعرٍ فاحمٍ لامعٍ و ملامح غربية
 و عيناه الباسمتان، رغم جمودهما، تشعان رغبة و اشتهاءً و هما تنظران إلى قمع البسكويت المليء حتى أقصاه بطبقات الآيسكريم بألوانها الصارخة.
و في أسفل الإعلان كلماتٌ مستحثة عن عرضٍ مغرٍ.
أحسّت بحرارة الجو رغم غروب معظم الشمس.. اتجهت صوب محل الآيسكريم لتطفئ ظمأها.
 حين استقر القمع في يدها تأكد لها من ألوانه الباهتة ما تبادر إلى ذهنها عندما لم تجد في النادل من ذلك الذي في صورة الإعلان سوى زيه الذي يرتديه!
نسيت و هي المرأة أن الأشياء لاتبدو  في الإعلان على حقيقتها.
لا تدري الآن وهي في خارج السوق كيف استطاعت من قبل تجاهل كل هذه النظرات الراجلة و تلك القابعة في مقاعد السيارات في أجواء المواقف عندما خطر في ذهنها شراء الأيسكريم، و التي ازدادت تركيزاً عليها من بين المنتظرات.
تراجعت فكرة لعق الآيسكريم التي خطرت لها حين أحست بخيط باردٍ لزجٍٍ يسيل على قبضتها فالعملية دون رفع النقاب أمرٌ متعذر.
انتبهت إلى أن قمة الآيسكريم أصبحت أكثر تحدباً، رجعت إلى داخل السوق عازمة على أن تختلي به. بدا السوق أكثر ازدحاما من ذي قبل، دخلت إلى دورة المياه فتقززت نفسُها من منظر الأرضية المتسخة و الروائح النتنة فتراجعت خارجة.
كانت الخيوط اللزجة تتكاثر و تستطيل لتقطر على ارض السوق الرخامية.
 و القمة تواصل الانهيار.
 و يدها الممسكة بالقمع تزداد ابتعاداً عن الجسم خوف الاتساخ.
 و المحرم لا بد انه ينتظر الآن بالخارج.
 تلفتت باحثة عن مكان منقذ رصدته من بعيد، اقتربت منه في سرعة رصينة. أحكمت باليد الأخرى العباءة حول جسدها.
 ثم شعرت و هي تنظف يدها بارتياح كبير بعد أن ألقت به في صندوق القمامة.

***
قراءة نقدية لقصة (الآيسكريم)
تطرح قصة الآيسكريم لعبد الله الوصالي قضية المرأة في مجتمعنا من زاوية علاقتها بالأشياء التي تبدو سهلة التناول. لكنها في حالة المرأة تأخذ منحى يجسد قلق التفاعل بانسيابية مع الحياة. لقد نجحت القصة في تجسيد السهل والاعتيادي ليتحول إلى إشكالية في حالة المرأة. القصة كما استمعتم إليها تقدم اللحظة التي قررت فيها امرأة ما أن تستمتع بشيء ربما يكون أقل ملذات الدنيا. لكن هذه المتعة البريئة وهي تناول الآسكريم تتحول إلى كابوس يحرج هذه المرأة ويربكها ويشعرها بضيق الفضاء الذي يحكم حضورها. تتمثل بنية الحدث في امرأة وهي تتجول في السوق تحاول أن تتناول الآيسكريم بعيداً عن عيون ذكورية ترصدها أو تتخيل أنها ترصدها. وتضخم القصة مأساة المرأة، عندما تشعر أن أكل الآيسكريم يتطلب منها رفع النقاب. فتجد نفسها محاصرة بالفضاء الاجتماعي، فتهرب باحثة عن مكان خفي يساعدها على ممارسة حياتها بحرية، وبسخرية مرة لا تجد ملاذاً إلا دورة المياه التي تدفعها إلى التقزز. هذا التناقض الفاضح بين متعة الآيسكريم والمكان يكشف عبثية الجهود التي تقوم بها المرأة لتحرير فعلها من سلطة الرجل. إن المتعة التي بحثت عنها تتحول إلى كابوس قبل أن تقرر أن تقذف بمتعتها في صندوق القمامة دلالة على نظرة المجتمع لهامشية الاحتياج النفسي والإنساني لدى المرأة.

          نحن في هذه القصة أمام قصة تأخذ من السرد أبسط ما فيه، فالحدث عبارة عن لمحة سريعة، لكنه عبر جمل مختارة بعناية تقول الكثير. اللغة مباشرة، لكنها موظفة في سياق يعتمد على الدلالة عبر كيان النص الكلي وليس عبر التراكم اللغوي للنص.

          وإذا أردنا أن نعيد تأسيس القصة، فإن مظهرها الخارجي يوحي بأنها لا تتحدث عن شئ سوى رغبة ملحة لتناول الآيسكريم، لكن هذه الحالة تصبح غير طبيعية عندما تتعلق الرغبة بامرأة ما في سياقنا الاجتماعي. وعلى نحو من القدر الاجتماعي المحتوم تستسلم المرأة لسلطة الفضاء الاجتماعي من حولها. وتشعر أن مجرد حلمها بمتعة رخيصة مثل هذه تصبح تحدياً كبيراً، وخاصة في فضاء لا يسمح لها بالظهور الاجتماعي الطبيعي. 

رغم اقتصاد القصة في لغتها واقتصادها في منح مساحة أكبر لنمو الحدث من أجل رصد التوتر النفسي والاجتماعي الذي أحدثه هذا الفعل الاعتيادي، فإنها طرحت إشكالية المرأة بحدة، محاولة إدانة الفضاء الاجتماعي الذي يحكمه الرجل. فالمرأة تتصرف على نحو غير متوازن مع فضائها الخارجي. فهي ترغب أن تكون ذاتها، لكن الفضاء الاجتماعي يحد من نموها وقدرتها على تحقيق ذاتها. فالآيسكريم هنا رمز يكشف عمق المواجهة التي لم تنتصر فيها المرأة، وكأن القصة وفية مع معطيات الواقع التي تكشف حدود المساحة وحجم الحضور التي تحظى به المرأة. إن المرأة في القصة محكومة بحضور الرجل رغم غيابه. فالقصة تفتتح مشهدها الأول والمرأة بانتظار محرمها وهو التعبير الذي استخدمه القاص. والمحرم هنا سلطة غائبة حاضرة. فالمرأة محكومة بهذا الغياب مثل ما هي محكومة بالحضور ذاته. فهي في انتظاره لتسهيل فعلها أو لحمايتها أو لقمعها. لكن المرأة خرجت من نص الفضاء الاجتماعي محاولة أن تتجاوز هذه السلطة. لقد قررت أن تفعل أي شئ بنفسها ولنفسها. فكان الايسكريم الذي كشف عجزها، رغم أنه العجز الذي فرضته سطوة الرجل. لقد كان هناك فضاء ذكوري غير متسامح، فضاء يرصد، يتلذذ، وربما لديه الاستعداد الكافي لينتهك حرية المرأة. لقد أظهرت القصة المرأة على أنها ممتثلة رغم رغبتها في فعل شئ ينبع من ذاتها. فالمرأة ليست متمردة على قدرها، وليست واعية بظرفها، أو هكذا يمكن أن نستشف من اللغة المحايدة التي صبغت جو النص.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق