من أنا

صورتي
الدمام, المنطقة الشرقية, Saudi Arabia
كاتب يكتشف يوماً إثر يوم كم هو عاجز عن تتويج حروفه ما يلزمها من نقاط.

الأربعاء، 18 أبريل 2012

في مسرحية طَرَفَة على الجسر لماذا طرفة و ليس عنترةالعبسي أو أبي فراس?




" الكوميديا المبكية، حين تصر  قيم الماضي على مقاومة حلول العصر"
عبد الله الوصالي


يبدأ عرض مسرحية (طَرَفَة على الجسر) للكاتب المسرحي عبد العزيز السماعيل و التي مثلتها فرقة جمعية الثقافة والفنون بالإحساء بالمملكة العربية السعودية، بتجسيد حدث تاريخي؛ المتلمس و ابن أخته طرفة  في طريقهما إلى البحرين، وهي  ليست البحرين المعروفة حالياً بل إقليم الإحساء الحالي بالمملكة العربية السعودية ، قادمين من العراق وبيد كل منهم عريضة، يصادفان عرافا. يدور النقاش بين العراف و الاثنين يتهم فيه طرفة العراف بأنه معتوه فيرد عليه العراف بأن( المعتوه هو من يحمل حتفه بيده) . هنا ينتبه خاله المتلمس ويدفع بالعريضة التي في يده للعراف ليقرأها فيجد فيها أن (عمرو ابن هند( يأمر واليه على البحرين (المكعبر) بأن يقتله حال اطلاعه على الكتاب.. ويرفض طرفة أن يصنع مثل خاله ويصر على أن عمرو ابن هند (لا يجرؤ عليه).
ينتهي هنا الجزء الأول من المسرحية الذي يأخذ الشكل التقليدي في تجسيد الشخصيات فجميع السنوجرافيا و الديكور كانت توحي بمشهد تاريخي يروي القصة المعروفة.
ثم تنتقل المسرحية في جزأها الثاني نقلة نوعية حيث يستخدم المخرج زكريا المؤمني إسقاطات الشخصية ونهايتها الدرامية التاريخية على الواقع الحالي فيستضيف طرفة العصر الجاهلي فيما بعد غزو العراق سنة 2003م
ليحتدم الصراع بين العربي الأشم طرفة وبين الواقع العربي المرير.ويقودنا المعنى المباشر للعرض إلى حالة بكائية على وضعنا الراهن و إلى حالة البؤس التي أصبحت فيها امتنا العربية. ويشير مشهد المتلمس و هو يهز وسطه تحت الضوء الأحمر، و ما للون الأحمر من دلالة،  إلى حال ابتذال القيم العربية الأصيلة تحت وطئت المحتل الأجنبي( يجسده في المشهد جنديان أجنبيان يحيطان بالمتلمس المتراقص)
 و لكن إذا كان الأمر هو فقط ما يشير إليه المعنى السابق أي ابتذال القيم العربية الأصيلة  ومحنتها في ظل الغزو الغربي، فلماذا لم يتم اختيار شخصية أخرى غير طرفة كعنترة مثلاً صاحب الفروسية الطاغية و المثاليات العالية أو أبو فراس الحمداني الذي تحكي سيرته انه  التحم بشكل مباشر مع الروم/ الغرب ؟ و لماذا العراق وليس فلسطين مثلا التي هي الجرح الأغزر نزفاً و الميدان ألأكثر إذلالا  لنا نحن العرب ً؟

هنا تأتي قراءة أخرى أكثر عمقاً  تجيب على كل تلك التساؤلات:
لا تصور شخصية طرفة السمات الشكلية النمطية للشخصية العربية فقط، بل تتعدها إلى سماتها النفسية السلوكية المشتهر عنها  وتظهر شخصيته التي أداها بإتقان الفنان- سلطان النوَّه -  جوانب مما تتميز به تلك الشخصية فهو:
· فارس عاشق  يظهر ذلك في ترديده أبيات حبه  لخولة :
(لخولة أطلال ببرقة ثهمد *** تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد)*
    سريع اللجوء إلى السيف:
 يظهر ذلك في سحب طرفه لسيفه من غمده في المقهى العراقي كلما غضب
· معتد بنفسه:
  في قوله (إن عمرو بن هند لا يجرؤ علي) رغم ما لعمرو ابن هند من سطوة حينها.
·  لا يقرأ ولا يحفل بتعلم القراءة ( في لجوئهم للعراف، ووصفه العراف بالمعتوه رغم تفوق  العرّاف عليه في  استشراف المستقبل وقراءة الخط)
 من هنا نأتي إلى الحالة التي استخدم فيها حالة الإسقاط التاريخي فتلك الصفات و التي بلا شك يتعاطف معها الكثيرون في سياقها التاريخي لا تبقى كما هي حيث العصر و أدواته وطرق التفكير و معايير الحكم على الأشياء أصابها الكثير من الاختلاف و لو أردنا أن نقرأ تلك المميزات بلغة العصر فإن تلك الصفات فيما عدا العشق الذي لا يزال حتى يومنا يحتفظ بمعناه الأصيل أصبحت تعني في سياقها المعاصر  على التوالي:
الحمية المندفعة = التهور و الرعونة
الاعتداد بالنفس = الغرور
عدم القراءة =  جهل، قلة المعرفة،ضيق الأفق

 حسناً يحق لنا أن نزعم أن الشخصية العربية الممثلة في طرفة هي نموذج عن شخصية عربية عراقية كانت الأبرز في المشهد العربي و العالمي من ثمانينيات القرن الماضي حتى العقد الأول من القرن الحالي. شخصية كانت تسمى
 سيف العرب،
 تمتشق السيف في أكثر من مشهد من مشاهدها الدعائية المعدة سلفاً
كما اشتهر عنه:
·  التهور و اللجوء للسيف في أدنى حالات الخلاف دون تقدير العواقب ( في غزوه للكويت أو دخوله في حرب مع إيران)
· كما انه ظن، غروراً، كظن طرفة في عمرو ابن هند، أن الدول الغربية لن تجرؤ على طرده من الكويت.

·رفض أيضاً، كرفض طرفة نصيحة العرّاف، عرض التراجع
 و اللجوء إلى روسيا الذي تقدم به (بريماكوف) في اللحظات الأخيرة قبل غزو العراق.
ثم تأتي النهاية الدرامية لكلا الشخصيتين لتؤكد وحدة المصير، فيقع طرفة في
 أيدي المحتل تماماً مثلما وقع الزعيم المعاصر في يد بريمر حين قال لقد امسكنا به
 ((we got him
من هنا فإن أي شخصية لتجسيد هذا المعنى مهما كانت لن تكون بجدارة شخصية طرفة كما أن المكان لا يمكن أن يكون سوى العراق.




* من معلقة طرفه بن العبد

الاثنين، 16 أبريل 2012

قدحان من زهر


قدحان من زهرٍ...
وخصلةٌ من ضياء الشمسِ تقيلُ على شرفتي
ومائةٌ من الأعيادِ توشك أن تمر
...
قدحان !
ليسا كالقداح
فلا يصاحبها إنشراح
و الراح ينأى عنهما نأي الظلام عن الصباح!
...
قدحان!
و إصبعي يفلق الكتاب الألف.. بعد الألفين
 بحثاً عن صبي!
ضاع من ذاته عدواً في الأساطيرِ
في الأحاديثِ
حتى أوشك العمرُ الشحيحُ على النفادْ
وغدى ناقفُ الحنظلِ يمشي فوق
 شوك من قتاد.

الأربعاء، 11 أبريل 2012

في مسرحية المغني فرج البحث عن القيمة المفقودة (نقد)


مدخل: مفردتي الموت و الصوت لا تختلفان شكلياً إلا في حرف واحد، و إذا كتبت بنوع الخط الذي كتب به عنوان كتاب  (نصوص المسرحية) للكاتب عبد العزيز السماعيل،  الصادر عن النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية، يصبح من الوارد جداً أن يقرأها القارئ (صوت المغني فرج) ولا أظنه حينها قد جانب الصواب فالمسرحية في الحقيقة لمن سيقرؤها بتمعن تريد أن تسمعنا (صوت المغني فرج) بتوسلها لموته كما سنرى لا حقاً.

المتن:
 وَهَبت المسرحيةُ  التي تتحدث عن حياة شخصية مغني شعبي اسمه فرج، الكتابَ  عنوانها، إذ أن الكتاب يحوي مسرحيتين أخريين هما مسرحية  سهرة مع الشيخ أحمد و طَرَفَة على الجسر.
و لا يقدم نص المغني فرج صفات شكلية للشخصية المحورية كلون البشرة مثلاً أو السن بل يدع ذلك مفتوحاً، ربما لإعطاء هامش الابتكار لمن يأتي لتجسيد المسرحية نصاً موازياً على الخشبة.
في الثمانينيات الميلادية كان من المألوف أن تشاهد على نواصي الحارات في المملكة العربية السعودية مجموعات ممن هم في خريف العمر؛ يقتعدون نواصي الحارات، يملئون زمنهم المثابر في المضي قدماً  أحاديث مكرورة عن الماضي، و اليسير من الحاضر .  و لو بحثت عن مهنهم في أزمنتهم الجميلة السالفة فستجد منهم الفلاح، و البناء، و سائق عربات النقل الصغيرة، و النجار، وصانع أوانٍ نحاسية و ربما خرّاز الخ... وغيرها من المهن التي تغيرت مع التقدم و التحديث والطفرات الاقتصادية المتلاحقة  طبيعتها الفردية إلى صيغة مؤسساتية و استولدت تلك الطفرات التحديثية تقنيات آلية خلفت تلك الآليات اليدوية البطيئة رغم  حميميتها. وعزز ذلك التحديث وفود ألوف العمال القادرين على أداء تلك الوظائف بشكل يتناسب أكثر و روح العصر وسرعته. و الفنون التقليدية الشعبية كانت ضمن  ما تأثر من تلك المكونات في المجتمع. تم هجر الكثير منها  في سياق الانشداد للوافد من كل الأمور وعدم الإدراك بأهمية الأصيل منها في منح ملامح الهوية للوطن و الخصوصية للثقافة. لو تعدينا النظر في ظاهر  تلك الشخصيات العاطلة  غير القادرة على مجارات لهاث الزمن و التحديث، الجالسة حيرى بسبب جريان الأمور أمامها بسرعة لم تعتدها و لم تشب عليها في زمنها الهادئ البطيء، لو انغمسنا في جوهرها رغم ما في تلك ظواهرها  من دلالات إلى عمقها النفسي ربما وجدنا في دواخلها ما جسدته  مسرحيتنا (موت المغني فرج)

و على عكس أسباب مأزق الكثير من أبطال الروايات السعودية، التي خرجت في الآونة الأخيرة و التي هي في الغالب، أي الأبطال، تتميز بذوات مثقفة أو متعلمة أكسبتها القدرة على النظرة النقدية و إعادة طرح الأسئلة على واقع حياتها ومساءلة مجتمعاتها، فالنص لا يأتي على ذكر أي شيء يدل على أزمة وعي لدى فرج،  بل نرى أن دافع المغني فرج كونه إنساناً بسيطاً وفناناً فطريا تقليدياً  هو ما يمكن أن نسميه (فقدان الدور الوظيفي في المجتمع)
و فقدان الوظيفة الاجتماعية يورّث إحساساً  بعدم الجدوى أو القيمة ينتج هماً و قلقاً يؤدي إلى حالة اكتئاب تبدو مظاهرها في سلوكيات الكآبة. ويعدد  الدكتور أيمن بدر كريَم مدير مركز اضطرابات النوم بمدينة الملك فهد الطبية ملخصاً تلك الأعراض في الآتي*:
 الحزن الشديد، والشعور بالإحباط والعجز، وعدم الجدوى أو القيمة من الحياة.-
 الإحساس الطاغي بالضجر والشعور الزائد بالتوتر. -
- عدم الرغبة في المشاركة في المناسبات العائلية.
 فقدان الاستمتاع بالنشاطات الاجتماعية المختلفة. -
- صعوبة التركيز وضبابية التفكير.
 نوبات الغضب أو التوتر المفاجئة. -
 - التفكير في وضع نهاية للحياة.
 - كثرة التململ و صعوبة النوم و خمول الجسد .
و في النص نرى سلوكيات فرج تنسجم تماماً مع ما ذكره استشاري الطب النفسي فهو:( ينام ليصحو لينام مرة أخرى بين آلاته و أدواته المبعثرة في غرفة أصبحت كالقبرص7)
 و  تمر بالشخص المكتئب بعض الحالات القصيرة من السرور و اليقظة لكنه لا يلبث أن يعود بعدها إلى حالة هي أخمص من الحالة التي كان فيها
(...ينهض المغني فرج من نومه وهو ممسك بالطبل و يشارك أفراد الفرقة في الغناء و الرقص في طقس غنائي شعبي  حتى يتوقف بعد لحظات كل شيء و يعم السكون المكان ص9)
 و يواصل المشهد تجسيد حالة الاضطراب النفسي و الاكتئاب لدى فرج  فهو أحيانا  إنسان عطوف شفاف
( يمسك بالطار يتحسس أطرافه ثم يحضنه بحنان ص9 )
 و لكنه
 (فجأة ترتفع يد فرج ممسكة بالطار ويقذفه بعيداً في الهواء غاضباً..ص9)
ويعود ليتأسف على ما بدر منه تجاه الطار الذي رماه، في حلقة مفرغة من الاضطراب و عدم التركيز كما يؤكد حديث الدكتور بالأعلى.
وتواصل ظواهر البؤس و الكآبة لدى فرج ظهورها  أيضاً في حواراته مع (سعيد) طالب الدراسات العليا،و الذي يمثل الجانب الخيَر في المسرحية.
لكن غريزة البحث عن القيمة تمار س سطوتها على البطل ليسلك المسار الدرامي خطاً صاعداً فتزداد المأساة/ الملهاة عمقاً فنرى ( فرج) يبحث عن قيمته المفقودة حتى في الموت فهو ليس فقط مستسلماً لقدره و لمن يتلاعب به في المشاهد التي تجمعه بكلٍ من الرسام و السمسار و التاجر بل يشاركهم وهم  يعلنون موته أمام عينيه دون أن أدنى محاولة منه لنفي ذلك فيقول رداً على الصحفي الذي يجهل حقيقته متحدثاً عن نفسه:
(...يقال انه مات حزناً ص34)
 و يتواطأ معهم على نفي ما يمكن أن يثبت العكس كأسئلة الصحفي:
(... هذا الرجل سيفضحنا قل له أن يكف عن هذه الأسئلة ص34)
 ويبادر في الإجابة على استفسار الصحفي عن كيفية موته:
( قتلوه .. قتلوه.. دسوا له السم..ص37)
ويستمر النص في تجسيد الكوميديا السوداء تلك إلى اللحظة التي لم تعد تحتملها نفس فرج فـ:
( يشعر بالألم في صدره ويسقط على الأرض...ص39)
و يغيب فرج المغني فيزيائيا في الفصل السادس و الأخير الذي يشهد وفاته.عن المشهد  بعد  لحظة سقوطه،  برغم حضوره كموضوع .
 ما حمل فرج المغني، على عدم محاولته  إثبات انه على قيد الحياة  بل و المساهمة،و بكل الم ، في إخفاء انه حي، كان بسبب إحساسه بالقيمة و المكانة في حال الغيبة عن مسرح الحياة، بعكس لو انه لا يزال حياً كما أسرها إليه الرسام الذي، و للسخرية، لا يعرف أنه فرج  برغم انه كان يرسم - بور تريه- لوحة شخصية له !!
( ...لو كان فرج حيا كما تقول .. اقصد لم يمت بعد لما كانت لهذه الأشياء هذه القيمة و لما سأل عنها احد..ص35)
البحث عن القيمة ليست معادلة في الرياضيات وحسب هي أيضا خصيصة لكل كائن حي و كما تقول الحكمة (قيمة الإنسان ما يتقن) و ما يتقنه الإنسان هو ما يجب أن يكون بالضرورة وظيفته الاجتماعية.
هنا يأتي السؤال هل انتحر فرج بحثاً عن القيمة التي فقدها؟
(موت المغني فرج) أرادت أن تسمعنا صوت المغني فرج و أصوات آخرين رائعين نصادفهم ربما كل يوم ، قريبين جداً لدرجة  تحتك معها ملابسنا بملابسهم لكننا ننسى أن نحضنهم أو نصافحهم  ثم  ندهش بعد رحيلهم بعيداً كيف كانوا بهذا القرب و كيف فاتنا  أن ننهل منهم حد الارتواء.

 

*في جريدة الشرق الأوسط الأحد جمادى الثاني 1430هـ 

الاثنين، 9 أبريل 2012

أنأى .. فيدنو الموج (قصة قصيرة)


إلى البحر وجهي و ظهري للمدينة.
جرعات من علبة مرطب بارد تفشل في ما صنعت من اجله.
زخات من الهواء تصل تباعاً إلى الشاطئ تدفعني القهقرى فيهتز ثوبي كبيرقٍ منكسٍ مجبرٍ على الخفق. أدركت عبث تناول ما تبقى من المرطب. دلقت بعضه على الأرض المتربة بجوار الصخرة التي أقف عليها. تصاعدت الغازات المختزنة من فقاعات صغيرة تتكسر محدثةً صوتاً كصوت القلي. واصلتُ دلق السائلَ على شكل دائرة. ثم دفقتين متجاورتين بداخلها و أخرى حاولت أن تكون على بعدٍ متساوٍ من الدفقتين و أسفل منهما. تأملت ما صنعت. بدا كوجه ينقصه فم. سارعت بدلق كمية أسفل الأنف لم تكن موفقة فقد أتلفت اللوحة.
انتقلت إلى مساحة مجاورة..

 دائرة.. دفقتان.. ثم أخرى اسفلهما .. بحرص شديد حاولت رسم الفم لكني أتلفت اللوحة أيضا.

أصررت على المضي في اللعبة للمرة الثالثة و حين و صلت إلى الفم لم يكن قد تبقى شيء في العلبة. رميت بها إلى البحر. استقبلت سطح الماء بجانبها، استدارت حول نفسها. تدفق الماء إلى جوفها فأخذت و ضعا رأسياً إذ انغمر جزء منها. شَرعَت تتراقص بانسجام مع ارتجاج الوسط من حولها وحين ارتقت الارتجاجات إلى مستوى موجة كانت في مقدمته. اصطدمت بالصخور المحاذية للشاطئ فتجرعت قسراً بعض الماء. تواصل الموج.. تواصل الارتطام.. و البارزُ منها فوق سطح الماء يتضاءل حتى ابتلعها البحر.
أصوات اعرف كنهها بدأت تصلني من الخلف، استدرت لاستقبال المدينة شاهدت المد وقد أصبح قريباً من لوحتي الأخيرة بعد أن لحس الموج بعض قسماتها. أسرعت محاولا الانصراف إذ ظهرت مقدمة حشد يقترب تعلوه خرق ذات ألوان زاهية تخفق بشدة.
***

قراءة نقدية لقصة (أنأى فيدنو الموج)

هذه القصة هي قصة إنسان مأزوم يقف على الشاطئ في منطقة بين البحر واليابسة. يمارس سكب ما تبقى من علبة المرطب التي يحملها في الحد الفاصل بين الماء واليابسة. لكنه أثناء سكبه للمرطب أو العصير راح على نحو ما يرسم وجهاً، ثم دأب على رسم التفاصيل الأخرى من عيون وأنف وفم. لكنه في كل مرة يعجز أن يشكل الفم لأسباب بدت منسجمة مع روح القصة، والعبثية التي يشعر بها المتلقي. لكن هذه القصة أبعد ما تكون عن الفعل العابث، بل إن تميز الفعل كان في الإصرار على الوصول إلى هدف ما. لكن هذا الفعل ينقطع بفعل أصوات تأتي من الخلف، فما إن يسمعها هذا الشخص المأزوم حتى يشرع في مفارقة المكان.

          تنهج هذه القصة الأسلوب المتبع في أقاصيص الوصالي من اقتصاد في اللغة، وتناول حدث يبدو غير مهم في ظاهره، لكنه ينطوي على دلالات عميقة.  

          إنسان هذه القصة مأزوم، رغم أن القصة لا توضح سبب تأزمه على نحو صريح، لكن صيغة الحدث توحي بانعدام الفضاء المتاح للتعبير عن حضوره كإنسان. فتستعيض القصة عن كل الجمل الخطابية التي توضح عجزه عن البوح بما يشاء، بشيء في غاية الأهمية، وهو عجزه عن رسم فم للوحة شكلها على سطح اليابسة في الحد الفاصل بين الماء والتراب. فكلما اقترب من رسم الفم جاءت موجة لتلغي مشروعه. غير أنه لا يستسلم، فهو في كل مرة يعاود الكرة حتى داهمته أصوات دفعته على ترك فعله والهروب.

          إن تموضع الحدث في نقطة بين الماء واليابسة توحي بهشاشة الحياة التي يحياها. فليست صلبة بالقدر التي تستطيع معه أن تصمد، وأن تواجه. وبدلاً من ذلك فإنه يحاول التنفيس عن البحث عن صيغة للتعبير، لكن هذه الصيغة دائمة الاندثار. إنه إنسان يقف في منطقة هشة غير قادرة على التماسك. فكل الذي حاول أن يرسمه هو البحث عن صيغة للتعبير عما بداخله، لكنها ليست في المكان المناسب. فقد بدأت القصة بجملة في غاية الأهمية: "إلى البحر وجهي وظهري للمدينة"، وعندما حاول أن يعيد وجهه للمدينة في آخر القصة، لم يستطع أن يقاوم مد الأصوات التي أقبلت من اليابسة. فهو إنسان يعيش في غربة على المستوى النفسي تتضح أكثر عندما ننظر إلى الجزء الأول من الجملة: "إلى البحر وجهي". فهو قد هيأ نفسه لعالم يتحد فيه مع ذاته، لعله يتجاوز واقعه الذي سلبه بقدر ما يود أن يقوله.

          تذكرنا هذه القصة بقصة الآيسكريم حيث تفقد المرأة فرصة تحقيق الذات تحت تأثير قوى اجتماعية معينة. وإذا كنا نتفهم هذا الانكسار بالنسبة للمرأة، فإن ذلك يضع أكثر من علامة استفهام أمام انكسار الرجل وعدم استمراره في رسم فم يلهج بما فيه داخله.


د. حسن النعمي


الأحد، 8 أبريل 2012

وهن


منتظراً الفرصة المواتية للانقضاض، وقف الصيادُ متحفزاً على قوائمه الثمانية الغزيرة الشعر، يراقب بأزواج أربع من العيون الفريسة التي لا تدخر جهداً  للتخلص من الشرك الدبق.
أخذت الفريسة تزداد تورطاً كلما تمادت في محاولة الخلاص و تتلاشى قواها تدريجياً. و لا يبقى مع الوقت إلا اختلاجات يائسة متباعدة .. فالشرك متين معد بإتقان و الفريسة تواصل التكفن بنسيج الشبكة و الصياد يتقدم بعد أن اطمأن للنتيجة. خطا خطوات ثم توقف حين اهتزت الشبكة فجأة .. ثم اهتزت بشكل اعنف..
 تراجع القهقرى.
            توقف في وجل.
                        ثم استدار مولياً الأدبار.
تمزقت الشبكة..
           تدحرجت الفريسة.
 في تلك الأثناء على بعد أمتار قليلة كان شخص يعود إلى مكانه بعد أن فتح نافذة كانت مغلقة منذ مدة.. جلس.. أغمض عينيه في استرخاء، إذ يتدفق الهواء غامراً الغرفة.

الروايات الشفاهية العابرة للثقافات

في روايته  واحة الغروب الحائزة على جائزة البوكر لسنة 2008 يذكر الروائي بها طاهر بعض الأحداث التي تدور في واحة سيوة، الواحة التي تقبع في وسط صحراء تحيطها الأساطير و الرمال من كل مكان ، ويذكر فيما يذكر من عاداتهم نظرتهم للمرأة التي توفي عنها زوجها و التي تدعى بالغولة، فمن الضروري أن تمكث سجينة أربعة أشهر وعشرة أيام لا تغير ثوب الحداد مهما بلغت قذارته. لا تستحم و لا تتزين و لا تلبس أياً من حليها و لا تمشط شعرها.
الإحساء واحة تحيطها الرمال من كل مكان كما هي واحة سيوة . في الماضي كان ينقسم مجتمعها الطبقي إلى قسمين بارزين مثلما انقسم مجتمع سيوة إلى أجواد وزجالة و تقريباً كان هناك مسمى للطبقة العليا قريباً من مسمى الأجواد وهو الأجاويد.
و أنا أقرء الرواية تذكرت حادثة ترمل جارتنا وكيف كان يصل إلى وعيي حينها الكثير من تلك الفروض التي تلزم المرأة الثكلى و التي تشبه ما تلزم بها الأرملة في واحة سيوة و ضرورة التزامها الشديد بها.
كان الليل قد  أرخى سدوله في حارة الكوت الأحسائية  التي نشأت فيها وخرج احد الرجال ينبه المارة عن كون جارتنا في طريقها إلى المسجد لتتحلل من حدادها الطويل، تماماً مثلما تذكر الرواية في مثل تلك الأحوال أن منادياً يقوم في سيوة بتحذير المارين و إن لم يقل مثلما قال المنادي في رواية واحة الغروب:
" الغولة آتية إليكم فحذروا سوء المصير"
صعدت في ذلك المساء إلى سطح منزلنا و من ثقوب الجدار المواجه لبطن الحارة حشرت عيني و الفضول حوذي يجلدني بسياط الرغبة في هتك ذلك العالم.
حين آبت عيني من مغامرتي الصغيرة كان الرعب قد تملكني و أيقنت  بهلاكي لا محالة؛ الليل كان حندساً شديد العتمة ربما كان القمر حاضراً لكن الحارة شديدة التفرع لا يملك حتى شعاع القمر الوصول إلى ثناياها و الأرملة المخفورة بسواد عباءتها و بامرأتين عن يمينها  و عن شمالها  لا يمكنها النظر إلا عند أقدامها ، لكننني مع ذلك ومن شدة الخوف توهمت أنها استطاعت أن تراني في تلك العتمة الشديدة و من حيث كانت و الخفيرتين تسيران في قاع الحارة و من خلال ثقب  صغير في الجدار، فالذي كان شائعاً حينها لدينا أن من تراه المرأة التي في الحداد يموت، تماماً كما تخبرنا عادات أهل سيوة بأن شئوم الغولة  يكون قوياً جداً في اللحظات التي تسبق تطهرها أي نهاية حدادها ومن يراها تصيبه بالهلاك.
ما سر هذا التشابه العجيب في التقاليد الذي يصل حد التطابق تقريباً آخذين في الاعتبار إن ما أتحدث عنه حصل في بدايات سبعينيات القرن العشرين عند عرب في شبه الجزيرة العربية و ما تتحدث عنه الرواية حدث أواخر القرن التاسع عشر بين أهالي سيوة المنتمين لقبائل من البربر و كلنا نعلم الآن بأن الإسلام المشترك الوحيد بين الثقافتين لا يقر تلك العادات الشديدة القسوة ضد من توفى عنها زوجها.
ما سر و ما هي الآلية التي تنتقل بها الأعراف بين تلك الثقافات؟! 

الثلاثاء، 3 أبريل 2012

الآيسكريم , قصة قصيرة





في انتظار المحرم أمام باب المول الرئيسي و من ثقبين اعتادت أن ترى العالم الخارجي من خلالهما رأته.
شابٌ ذو شعرٍ فاحمٍ لامعٍ و ملامح غربية
 و عيناه الباسمتان، رغم جمودهما، تشعان رغبة و اشتهاءً و هما تنظران إلى قمع البسكويت المليء حتى أقصاه بطبقات الآيسكريم بألوانها الصارخة.
و في أسفل الإعلان كلماتٌ مستحثة عن عرضٍ مغرٍ.
أحسّت بحرارة الجو رغم غروب معظم الشمس.. اتجهت صوب محل الآيسكريم لتطفئ ظمأها.
 حين استقر القمع في يدها تأكد لها من ألوانه الباهتة ما تبادر إلى ذهنها عندما لم تجد في النادل من ذلك الذي في صورة الإعلان سوى زيه الذي يرتديه!
نسيت و هي المرأة أن الأشياء لاتبدو  في الإعلان على حقيقتها.
لا تدري الآن وهي في خارج السوق كيف استطاعت من قبل تجاهل كل هذه النظرات الراجلة و تلك القابعة في مقاعد السيارات في أجواء المواقف عندما خطر في ذهنها شراء الأيسكريم، و التي ازدادت تركيزاً عليها من بين المنتظرات.
تراجعت فكرة لعق الآيسكريم التي خطرت لها حين أحست بخيط باردٍ لزجٍٍ يسيل على قبضتها فالعملية دون رفع النقاب أمرٌ متعذر.
انتبهت إلى أن قمة الآيسكريم أصبحت أكثر تحدباً، رجعت إلى داخل السوق عازمة على أن تختلي به. بدا السوق أكثر ازدحاما من ذي قبل، دخلت إلى دورة المياه فتقززت نفسُها من منظر الأرضية المتسخة و الروائح النتنة فتراجعت خارجة.
كانت الخيوط اللزجة تتكاثر و تستطيل لتقطر على ارض السوق الرخامية.
 و القمة تواصل الانهيار.
 و يدها الممسكة بالقمع تزداد ابتعاداً عن الجسم خوف الاتساخ.
 و المحرم لا بد انه ينتظر الآن بالخارج.
 تلفتت باحثة عن مكان منقذ رصدته من بعيد، اقتربت منه في سرعة رصينة. أحكمت باليد الأخرى العباءة حول جسدها.
 ثم شعرت و هي تنظف يدها بارتياح كبير بعد أن ألقت به في صندوق القمامة.

***
قراءة نقدية لقصة (الآيسكريم)
تطرح قصة الآيسكريم لعبد الله الوصالي قضية المرأة في مجتمعنا من زاوية علاقتها بالأشياء التي تبدو سهلة التناول. لكنها في حالة المرأة تأخذ منحى يجسد قلق التفاعل بانسيابية مع الحياة. لقد نجحت القصة في تجسيد السهل والاعتيادي ليتحول إلى إشكالية في حالة المرأة. القصة كما استمعتم إليها تقدم اللحظة التي قررت فيها امرأة ما أن تستمتع بشيء ربما يكون أقل ملذات الدنيا. لكن هذه المتعة البريئة وهي تناول الآسكريم تتحول إلى كابوس يحرج هذه المرأة ويربكها ويشعرها بضيق الفضاء الذي يحكم حضورها. تتمثل بنية الحدث في امرأة وهي تتجول في السوق تحاول أن تتناول الآيسكريم بعيداً عن عيون ذكورية ترصدها أو تتخيل أنها ترصدها. وتضخم القصة مأساة المرأة، عندما تشعر أن أكل الآيسكريم يتطلب منها رفع النقاب. فتجد نفسها محاصرة بالفضاء الاجتماعي، فتهرب باحثة عن مكان خفي يساعدها على ممارسة حياتها بحرية، وبسخرية مرة لا تجد ملاذاً إلا دورة المياه التي تدفعها إلى التقزز. هذا التناقض الفاضح بين متعة الآيسكريم والمكان يكشف عبثية الجهود التي تقوم بها المرأة لتحرير فعلها من سلطة الرجل. إن المتعة التي بحثت عنها تتحول إلى كابوس قبل أن تقرر أن تقذف بمتعتها في صندوق القمامة دلالة على نظرة المجتمع لهامشية الاحتياج النفسي والإنساني لدى المرأة.

          نحن في هذه القصة أمام قصة تأخذ من السرد أبسط ما فيه، فالحدث عبارة عن لمحة سريعة، لكنه عبر جمل مختارة بعناية تقول الكثير. اللغة مباشرة، لكنها موظفة في سياق يعتمد على الدلالة عبر كيان النص الكلي وليس عبر التراكم اللغوي للنص.

          وإذا أردنا أن نعيد تأسيس القصة، فإن مظهرها الخارجي يوحي بأنها لا تتحدث عن شئ سوى رغبة ملحة لتناول الآيسكريم، لكن هذه الحالة تصبح غير طبيعية عندما تتعلق الرغبة بامرأة ما في سياقنا الاجتماعي. وعلى نحو من القدر الاجتماعي المحتوم تستسلم المرأة لسلطة الفضاء الاجتماعي من حولها. وتشعر أن مجرد حلمها بمتعة رخيصة مثل هذه تصبح تحدياً كبيراً، وخاصة في فضاء لا يسمح لها بالظهور الاجتماعي الطبيعي. 

رغم اقتصاد القصة في لغتها واقتصادها في منح مساحة أكبر لنمو الحدث من أجل رصد التوتر النفسي والاجتماعي الذي أحدثه هذا الفعل الاعتيادي، فإنها طرحت إشكالية المرأة بحدة، محاولة إدانة الفضاء الاجتماعي الذي يحكمه الرجل. فالمرأة تتصرف على نحو غير متوازن مع فضائها الخارجي. فهي ترغب أن تكون ذاتها، لكن الفضاء الاجتماعي يحد من نموها وقدرتها على تحقيق ذاتها. فالآيسكريم هنا رمز يكشف عمق المواجهة التي لم تنتصر فيها المرأة، وكأن القصة وفية مع معطيات الواقع التي تكشف حدود المساحة وحجم الحضور التي تحظى به المرأة. إن المرأة في القصة محكومة بحضور الرجل رغم غيابه. فالقصة تفتتح مشهدها الأول والمرأة بانتظار محرمها وهو التعبير الذي استخدمه القاص. والمحرم هنا سلطة غائبة حاضرة. فالمرأة محكومة بهذا الغياب مثل ما هي محكومة بالحضور ذاته. فهي في انتظاره لتسهيل فعلها أو لحمايتها أو لقمعها. لكن المرأة خرجت من نص الفضاء الاجتماعي محاولة أن تتجاوز هذه السلطة. لقد قررت أن تفعل أي شئ بنفسها ولنفسها. فكان الايسكريم الذي كشف عجزها، رغم أنه العجز الذي فرضته سطوة الرجل. لقد كان هناك فضاء ذكوري غير متسامح، فضاء يرصد، يتلذذ، وربما لديه الاستعداد الكافي لينتهك حرية المرأة. لقد أظهرت القصة المرأة على أنها ممتثلة رغم رغبتها في فعل شئ ينبع من ذاتها. فالمرأة ليست متمردة على قدرها، وليست واعية بظرفها، أو هكذا يمكن أن نستشف من اللغة المحايدة التي صبغت جو النص.