من أنا

صورتي
الدمام, المنطقة الشرقية, Saudi Arabia
كاتب يكتشف يوماً إثر يوم كم هو عاجز عن تتويج حروفه ما يلزمها من نقاط.

الأربعاء، 11 أبريل 2012

في مسرحية المغني فرج البحث عن القيمة المفقودة (نقد)


مدخل: مفردتي الموت و الصوت لا تختلفان شكلياً إلا في حرف واحد، و إذا كتبت بنوع الخط الذي كتب به عنوان كتاب  (نصوص المسرحية) للكاتب عبد العزيز السماعيل،  الصادر عن النادي الأدبي بالمنطقة الشرقية، يصبح من الوارد جداً أن يقرأها القارئ (صوت المغني فرج) ولا أظنه حينها قد جانب الصواب فالمسرحية في الحقيقة لمن سيقرؤها بتمعن تريد أن تسمعنا (صوت المغني فرج) بتوسلها لموته كما سنرى لا حقاً.

المتن:
 وَهَبت المسرحيةُ  التي تتحدث عن حياة شخصية مغني شعبي اسمه فرج، الكتابَ  عنوانها، إذ أن الكتاب يحوي مسرحيتين أخريين هما مسرحية  سهرة مع الشيخ أحمد و طَرَفَة على الجسر.
و لا يقدم نص المغني فرج صفات شكلية للشخصية المحورية كلون البشرة مثلاً أو السن بل يدع ذلك مفتوحاً، ربما لإعطاء هامش الابتكار لمن يأتي لتجسيد المسرحية نصاً موازياً على الخشبة.
في الثمانينيات الميلادية كان من المألوف أن تشاهد على نواصي الحارات في المملكة العربية السعودية مجموعات ممن هم في خريف العمر؛ يقتعدون نواصي الحارات، يملئون زمنهم المثابر في المضي قدماً  أحاديث مكرورة عن الماضي، و اليسير من الحاضر .  و لو بحثت عن مهنهم في أزمنتهم الجميلة السالفة فستجد منهم الفلاح، و البناء، و سائق عربات النقل الصغيرة، و النجار، وصانع أوانٍ نحاسية و ربما خرّاز الخ... وغيرها من المهن التي تغيرت مع التقدم و التحديث والطفرات الاقتصادية المتلاحقة  طبيعتها الفردية إلى صيغة مؤسساتية و استولدت تلك الطفرات التحديثية تقنيات آلية خلفت تلك الآليات اليدوية البطيئة رغم  حميميتها. وعزز ذلك التحديث وفود ألوف العمال القادرين على أداء تلك الوظائف بشكل يتناسب أكثر و روح العصر وسرعته. و الفنون التقليدية الشعبية كانت ضمن  ما تأثر من تلك المكونات في المجتمع. تم هجر الكثير منها  في سياق الانشداد للوافد من كل الأمور وعدم الإدراك بأهمية الأصيل منها في منح ملامح الهوية للوطن و الخصوصية للثقافة. لو تعدينا النظر في ظاهر  تلك الشخصيات العاطلة  غير القادرة على مجارات لهاث الزمن و التحديث، الجالسة حيرى بسبب جريان الأمور أمامها بسرعة لم تعتدها و لم تشب عليها في زمنها الهادئ البطيء، لو انغمسنا في جوهرها رغم ما في تلك ظواهرها  من دلالات إلى عمقها النفسي ربما وجدنا في دواخلها ما جسدته  مسرحيتنا (موت المغني فرج)

و على عكس أسباب مأزق الكثير من أبطال الروايات السعودية، التي خرجت في الآونة الأخيرة و التي هي في الغالب، أي الأبطال، تتميز بذوات مثقفة أو متعلمة أكسبتها القدرة على النظرة النقدية و إعادة طرح الأسئلة على واقع حياتها ومساءلة مجتمعاتها، فالنص لا يأتي على ذكر أي شيء يدل على أزمة وعي لدى فرج،  بل نرى أن دافع المغني فرج كونه إنساناً بسيطاً وفناناً فطريا تقليدياً  هو ما يمكن أن نسميه (فقدان الدور الوظيفي في المجتمع)
و فقدان الوظيفة الاجتماعية يورّث إحساساً  بعدم الجدوى أو القيمة ينتج هماً و قلقاً يؤدي إلى حالة اكتئاب تبدو مظاهرها في سلوكيات الكآبة. ويعدد  الدكتور أيمن بدر كريَم مدير مركز اضطرابات النوم بمدينة الملك فهد الطبية ملخصاً تلك الأعراض في الآتي*:
 الحزن الشديد، والشعور بالإحباط والعجز، وعدم الجدوى أو القيمة من الحياة.-
 الإحساس الطاغي بالضجر والشعور الزائد بالتوتر. -
- عدم الرغبة في المشاركة في المناسبات العائلية.
 فقدان الاستمتاع بالنشاطات الاجتماعية المختلفة. -
- صعوبة التركيز وضبابية التفكير.
 نوبات الغضب أو التوتر المفاجئة. -
 - التفكير في وضع نهاية للحياة.
 - كثرة التململ و صعوبة النوم و خمول الجسد .
و في النص نرى سلوكيات فرج تنسجم تماماً مع ما ذكره استشاري الطب النفسي فهو:( ينام ليصحو لينام مرة أخرى بين آلاته و أدواته المبعثرة في غرفة أصبحت كالقبرص7)
 و  تمر بالشخص المكتئب بعض الحالات القصيرة من السرور و اليقظة لكنه لا يلبث أن يعود بعدها إلى حالة هي أخمص من الحالة التي كان فيها
(...ينهض المغني فرج من نومه وهو ممسك بالطبل و يشارك أفراد الفرقة في الغناء و الرقص في طقس غنائي شعبي  حتى يتوقف بعد لحظات كل شيء و يعم السكون المكان ص9)
 و يواصل المشهد تجسيد حالة الاضطراب النفسي و الاكتئاب لدى فرج  فهو أحيانا  إنسان عطوف شفاف
( يمسك بالطار يتحسس أطرافه ثم يحضنه بحنان ص9 )
 و لكنه
 (فجأة ترتفع يد فرج ممسكة بالطار ويقذفه بعيداً في الهواء غاضباً..ص9)
ويعود ليتأسف على ما بدر منه تجاه الطار الذي رماه، في حلقة مفرغة من الاضطراب و عدم التركيز كما يؤكد حديث الدكتور بالأعلى.
وتواصل ظواهر البؤس و الكآبة لدى فرج ظهورها  أيضاً في حواراته مع (سعيد) طالب الدراسات العليا،و الذي يمثل الجانب الخيَر في المسرحية.
لكن غريزة البحث عن القيمة تمار س سطوتها على البطل ليسلك المسار الدرامي خطاً صاعداً فتزداد المأساة/ الملهاة عمقاً فنرى ( فرج) يبحث عن قيمته المفقودة حتى في الموت فهو ليس فقط مستسلماً لقدره و لمن يتلاعب به في المشاهد التي تجمعه بكلٍ من الرسام و السمسار و التاجر بل يشاركهم وهم  يعلنون موته أمام عينيه دون أن أدنى محاولة منه لنفي ذلك فيقول رداً على الصحفي الذي يجهل حقيقته متحدثاً عن نفسه:
(...يقال انه مات حزناً ص34)
 و يتواطأ معهم على نفي ما يمكن أن يثبت العكس كأسئلة الصحفي:
(... هذا الرجل سيفضحنا قل له أن يكف عن هذه الأسئلة ص34)
 ويبادر في الإجابة على استفسار الصحفي عن كيفية موته:
( قتلوه .. قتلوه.. دسوا له السم..ص37)
ويستمر النص في تجسيد الكوميديا السوداء تلك إلى اللحظة التي لم تعد تحتملها نفس فرج فـ:
( يشعر بالألم في صدره ويسقط على الأرض...ص39)
و يغيب فرج المغني فيزيائيا في الفصل السادس و الأخير الذي يشهد وفاته.عن المشهد  بعد  لحظة سقوطه،  برغم حضوره كموضوع .
 ما حمل فرج المغني، على عدم محاولته  إثبات انه على قيد الحياة  بل و المساهمة،و بكل الم ، في إخفاء انه حي، كان بسبب إحساسه بالقيمة و المكانة في حال الغيبة عن مسرح الحياة، بعكس لو انه لا يزال حياً كما أسرها إليه الرسام الذي، و للسخرية، لا يعرف أنه فرج  برغم انه كان يرسم - بور تريه- لوحة شخصية له !!
( ...لو كان فرج حيا كما تقول .. اقصد لم يمت بعد لما كانت لهذه الأشياء هذه القيمة و لما سأل عنها احد..ص35)
البحث عن القيمة ليست معادلة في الرياضيات وحسب هي أيضا خصيصة لكل كائن حي و كما تقول الحكمة (قيمة الإنسان ما يتقن) و ما يتقنه الإنسان هو ما يجب أن يكون بالضرورة وظيفته الاجتماعية.
هنا يأتي السؤال هل انتحر فرج بحثاً عن القيمة التي فقدها؟
(موت المغني فرج) أرادت أن تسمعنا صوت المغني فرج و أصوات آخرين رائعين نصادفهم ربما كل يوم ، قريبين جداً لدرجة  تحتك معها ملابسنا بملابسهم لكننا ننسى أن نحضنهم أو نصافحهم  ثم  ندهش بعد رحيلهم بعيداً كيف كانوا بهذا القرب و كيف فاتنا  أن ننهل منهم حد الارتواء.

 

*في جريدة الشرق الأوسط الأحد جمادى الثاني 1430هـ 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق