العرب و العنة الذهنية-2
في مقال
الجمعة الماضية
شرحنا معنى ( الخصاء الذهني Mental Castration)
تلك الحالة النفسية الذهنية التي تمنع المجتمعات من القدرة على تفسير الظواهر
الكونية و الاجتماعية و السياسية المستجدة في حياتها و الميل الى الاستعانة بالجاهز من الأحكام و التفسيرات بسبب رهبة التفكير. و اوجزنا أسبابها في القمع
المستشري في عالمنا العربي. وقدمنا المدرسة الشعبوية كأحد المصدرين الذين يوفران تلك الأحكام الجاهزة.
اما المدرسة الثانية فيمكن أن نسميها مجازا بالمدرسة ((النخبوية))
و التي تمثلها شريحة من الأكاديميين والمثقفين العرب، وهي امتداد لفترة محاولة
اليقظة العربية على يد التيارات اليسارية و القومية التي انتشرت في منتصف القرن
العشرين زمن التحرر العربي من الاستعمار و جرح اغتصاب فلسطين. و قد تراجع المد
النهضوي العربي تحت مؤامرات الاستعمار و بعض الأنظمة العربية مما أدى الى إزاحة
تأثيره عن الفعل في العقل الجمعي العربي و إحلال أرباب المدرسة (الشعبوية)
المتطلعة للوراء، للتاريخ مكانه. ورغم تراجع دور هذه المدرسة النخبوية الا انها لا
تزال تملك الكثير من وسائل التعبير كالصحافة و بعض وسائل الإعلام و تمارس بعض الأثر
في جمهورها و إن على شكل ضيق مقارنة بالمدرسة الشعبوية.
تتميز هذه المدرسة عن سابقتها بأنها ذات خلفية معرفية حديثة
نسبيا لذا فهي لا توظف الغيبي أو المقدس الديني في أحكامها و تكاد تنحصر مهمة
توفيرها الأحكام المطلقة في المجال السياسي دون الطبيعي و الاجتماعي و تحديداً تلك
المناطق السياسية التي يتماس فيها العرب مع العالم الغربي، أو المستعمر السابق.
تختزل هذه المدرسة كثيرا من الظواهر السياسية في ما عرف و
مازال يعرف بنظرية المؤامرة و بـتأثير (اللوبي الصهيوني) و تحكمه في مفاصل القرار
السياسي الغربي و الأمريكي خصوصا، فكل ما تقوم به الولايات المتحدة و الدول
الغربية على وجه الخصوص هو نتاج ذلك التأثير. تلتقي المدرستان في قضية (المؤمرة
اليهودية) على الأمة حتى انه يصعب التفريق بينهما. فهذا الشأن بقدر ما هو سياسي
نضالي تحرري لدى المدرسة النخبوية، له جذوره الدينية التاريخية في ادبيات المدرسة
الشعبوية. من الإنصاف الإقرار بأن نظرية المؤامرة ليست أمراً خيالياً و ليست حدثا
تاريخيا منتهيا غير أن اتخاذها (حجر رشيد) الدائم لفك طلاسم السياسة الأمريكية و
الغربية في المنطقة أمر غالبا ما سيؤدي الى فهم خاطئ و مرتبك لمساعي العرب
السياسية من أجل نوال حقوقهم. و الى الإحباط من جدوى أي نضال سياسي او دبلوماسي
لنيل الحقوق. و يقمع الحاجة لمساءلة الذات و مراجعة التجارب لابتكار سبل جديدة للنضال
بدل التي أثبتت فشلها.
في ظل ظروف القهر و الاستبداد القائمة حاليا؛ فالذهن العربي يعاني
من سوء التنظيم، و انعدام منهجية التفكير، ودقة الضبط في مواجهة الواقع، و العجز عن
الغوص في تحليل الظواهر باختلاف أنواعها بعيداً عن احكام مسبقة توفر أجوبة زائفة مخدرة.
تقف تلك الأحكام المطلقة حائط صد أمام الجموع
عن رؤية العلاقة بين الظواهر المختلفة، حتى على المستوى الاجتماعي المحلي. ومشاكله
التنموية و إخفاقاته الحضارية و انتشار الفقر و البطالة و الفساد.

