من أنا

صورتي
الدمام, المنطقة الشرقية, Saudi Arabia
كاتب يكتشف يوماً إثر يوم كم هو عاجز عن تتويج حروفه ما يلزمها من نقاط.

الأحد، 8 أبريل 2012

الروايات الشفاهية العابرة للثقافات

في روايته  واحة الغروب الحائزة على جائزة البوكر لسنة 2008 يذكر الروائي بها طاهر بعض الأحداث التي تدور في واحة سيوة، الواحة التي تقبع في وسط صحراء تحيطها الأساطير و الرمال من كل مكان ، ويذكر فيما يذكر من عاداتهم نظرتهم للمرأة التي توفي عنها زوجها و التي تدعى بالغولة، فمن الضروري أن تمكث سجينة أربعة أشهر وعشرة أيام لا تغير ثوب الحداد مهما بلغت قذارته. لا تستحم و لا تتزين و لا تلبس أياً من حليها و لا تمشط شعرها.
الإحساء واحة تحيطها الرمال من كل مكان كما هي واحة سيوة . في الماضي كان ينقسم مجتمعها الطبقي إلى قسمين بارزين مثلما انقسم مجتمع سيوة إلى أجواد وزجالة و تقريباً كان هناك مسمى للطبقة العليا قريباً من مسمى الأجواد وهو الأجاويد.
و أنا أقرء الرواية تذكرت حادثة ترمل جارتنا وكيف كان يصل إلى وعيي حينها الكثير من تلك الفروض التي تلزم المرأة الثكلى و التي تشبه ما تلزم بها الأرملة في واحة سيوة و ضرورة التزامها الشديد بها.
كان الليل قد  أرخى سدوله في حارة الكوت الأحسائية  التي نشأت فيها وخرج احد الرجال ينبه المارة عن كون جارتنا في طريقها إلى المسجد لتتحلل من حدادها الطويل، تماماً مثلما تذكر الرواية في مثل تلك الأحوال أن منادياً يقوم في سيوة بتحذير المارين و إن لم يقل مثلما قال المنادي في رواية واحة الغروب:
" الغولة آتية إليكم فحذروا سوء المصير"
صعدت في ذلك المساء إلى سطح منزلنا و من ثقوب الجدار المواجه لبطن الحارة حشرت عيني و الفضول حوذي يجلدني بسياط الرغبة في هتك ذلك العالم.
حين آبت عيني من مغامرتي الصغيرة كان الرعب قد تملكني و أيقنت  بهلاكي لا محالة؛ الليل كان حندساً شديد العتمة ربما كان القمر حاضراً لكن الحارة شديدة التفرع لا يملك حتى شعاع القمر الوصول إلى ثناياها و الأرملة المخفورة بسواد عباءتها و بامرأتين عن يمينها  و عن شمالها  لا يمكنها النظر إلا عند أقدامها ، لكننني مع ذلك ومن شدة الخوف توهمت أنها استطاعت أن تراني في تلك العتمة الشديدة و من حيث كانت و الخفيرتين تسيران في قاع الحارة و من خلال ثقب  صغير في الجدار، فالذي كان شائعاً حينها لدينا أن من تراه المرأة التي في الحداد يموت، تماماً كما تخبرنا عادات أهل سيوة بأن شئوم الغولة  يكون قوياً جداً في اللحظات التي تسبق تطهرها أي نهاية حدادها ومن يراها تصيبه بالهلاك.
ما سر هذا التشابه العجيب في التقاليد الذي يصل حد التطابق تقريباً آخذين في الاعتبار إن ما أتحدث عنه حصل في بدايات سبعينيات القرن العشرين عند عرب في شبه الجزيرة العربية و ما تتحدث عنه الرواية حدث أواخر القرن التاسع عشر بين أهالي سيوة المنتمين لقبائل من البربر و كلنا نعلم الآن بأن الإسلام المشترك الوحيد بين الثقافتين لا يقر تلك العادات الشديدة القسوة ضد من توفى عنها زوجها.
ما سر و ما هي الآلية التي تنتقل بها الأعراف بين تلك الثقافات؟! 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق