من أنا

صورتي
الدمام, المنطقة الشرقية, Saudi Arabia
كاتب يكتشف يوماً إثر يوم كم هو عاجز عن تتويج حروفه ما يلزمها من نقاط.

الأربعاء، 18 أبريل 2012

في مسرحية طَرَفَة على الجسر لماذا طرفة و ليس عنترةالعبسي أو أبي فراس?




" الكوميديا المبكية، حين تصر  قيم الماضي على مقاومة حلول العصر"
عبد الله الوصالي


يبدأ عرض مسرحية (طَرَفَة على الجسر) للكاتب المسرحي عبد العزيز السماعيل و التي مثلتها فرقة جمعية الثقافة والفنون بالإحساء بالمملكة العربية السعودية، بتجسيد حدث تاريخي؛ المتلمس و ابن أخته طرفة  في طريقهما إلى البحرين، وهي  ليست البحرين المعروفة حالياً بل إقليم الإحساء الحالي بالمملكة العربية السعودية ، قادمين من العراق وبيد كل منهم عريضة، يصادفان عرافا. يدور النقاش بين العراف و الاثنين يتهم فيه طرفة العراف بأنه معتوه فيرد عليه العراف بأن( المعتوه هو من يحمل حتفه بيده) . هنا ينتبه خاله المتلمس ويدفع بالعريضة التي في يده للعراف ليقرأها فيجد فيها أن (عمرو ابن هند( يأمر واليه على البحرين (المكعبر) بأن يقتله حال اطلاعه على الكتاب.. ويرفض طرفة أن يصنع مثل خاله ويصر على أن عمرو ابن هند (لا يجرؤ عليه).
ينتهي هنا الجزء الأول من المسرحية الذي يأخذ الشكل التقليدي في تجسيد الشخصيات فجميع السنوجرافيا و الديكور كانت توحي بمشهد تاريخي يروي القصة المعروفة.
ثم تنتقل المسرحية في جزأها الثاني نقلة نوعية حيث يستخدم المخرج زكريا المؤمني إسقاطات الشخصية ونهايتها الدرامية التاريخية على الواقع الحالي فيستضيف طرفة العصر الجاهلي فيما بعد غزو العراق سنة 2003م
ليحتدم الصراع بين العربي الأشم طرفة وبين الواقع العربي المرير.ويقودنا المعنى المباشر للعرض إلى حالة بكائية على وضعنا الراهن و إلى حالة البؤس التي أصبحت فيها امتنا العربية. ويشير مشهد المتلمس و هو يهز وسطه تحت الضوء الأحمر، و ما للون الأحمر من دلالة،  إلى حال ابتذال القيم العربية الأصيلة تحت وطئت المحتل الأجنبي( يجسده في المشهد جنديان أجنبيان يحيطان بالمتلمس المتراقص)
 و لكن إذا كان الأمر هو فقط ما يشير إليه المعنى السابق أي ابتذال القيم العربية الأصيلة  ومحنتها في ظل الغزو الغربي، فلماذا لم يتم اختيار شخصية أخرى غير طرفة كعنترة مثلاً صاحب الفروسية الطاغية و المثاليات العالية أو أبو فراس الحمداني الذي تحكي سيرته انه  التحم بشكل مباشر مع الروم/ الغرب ؟ و لماذا العراق وليس فلسطين مثلا التي هي الجرح الأغزر نزفاً و الميدان ألأكثر إذلالا  لنا نحن العرب ً؟

هنا تأتي قراءة أخرى أكثر عمقاً  تجيب على كل تلك التساؤلات:
لا تصور شخصية طرفة السمات الشكلية النمطية للشخصية العربية فقط، بل تتعدها إلى سماتها النفسية السلوكية المشتهر عنها  وتظهر شخصيته التي أداها بإتقان الفنان- سلطان النوَّه -  جوانب مما تتميز به تلك الشخصية فهو:
· فارس عاشق  يظهر ذلك في ترديده أبيات حبه  لخولة :
(لخولة أطلال ببرقة ثهمد *** تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد)*
    سريع اللجوء إلى السيف:
 يظهر ذلك في سحب طرفه لسيفه من غمده في المقهى العراقي كلما غضب
· معتد بنفسه:
  في قوله (إن عمرو بن هند لا يجرؤ علي) رغم ما لعمرو ابن هند من سطوة حينها.
·  لا يقرأ ولا يحفل بتعلم القراءة ( في لجوئهم للعراف، ووصفه العراف بالمعتوه رغم تفوق  العرّاف عليه في  استشراف المستقبل وقراءة الخط)
 من هنا نأتي إلى الحالة التي استخدم فيها حالة الإسقاط التاريخي فتلك الصفات و التي بلا شك يتعاطف معها الكثيرون في سياقها التاريخي لا تبقى كما هي حيث العصر و أدواته وطرق التفكير و معايير الحكم على الأشياء أصابها الكثير من الاختلاف و لو أردنا أن نقرأ تلك المميزات بلغة العصر فإن تلك الصفات فيما عدا العشق الذي لا يزال حتى يومنا يحتفظ بمعناه الأصيل أصبحت تعني في سياقها المعاصر  على التوالي:
الحمية المندفعة = التهور و الرعونة
الاعتداد بالنفس = الغرور
عدم القراءة =  جهل، قلة المعرفة،ضيق الأفق

 حسناً يحق لنا أن نزعم أن الشخصية العربية الممثلة في طرفة هي نموذج عن شخصية عربية عراقية كانت الأبرز في المشهد العربي و العالمي من ثمانينيات القرن الماضي حتى العقد الأول من القرن الحالي. شخصية كانت تسمى
 سيف العرب،
 تمتشق السيف في أكثر من مشهد من مشاهدها الدعائية المعدة سلفاً
كما اشتهر عنه:
·  التهور و اللجوء للسيف في أدنى حالات الخلاف دون تقدير العواقب ( في غزوه للكويت أو دخوله في حرب مع إيران)
· كما انه ظن، غروراً، كظن طرفة في عمرو ابن هند، أن الدول الغربية لن تجرؤ على طرده من الكويت.

·رفض أيضاً، كرفض طرفة نصيحة العرّاف، عرض التراجع
 و اللجوء إلى روسيا الذي تقدم به (بريماكوف) في اللحظات الأخيرة قبل غزو العراق.
ثم تأتي النهاية الدرامية لكلا الشخصيتين لتؤكد وحدة المصير، فيقع طرفة في
 أيدي المحتل تماماً مثلما وقع الزعيم المعاصر في يد بريمر حين قال لقد امسكنا به
 ((we got him
من هنا فإن أي شخصية لتجسيد هذا المعنى مهما كانت لن تكون بجدارة شخصية طرفة كما أن المكان لا يمكن أن يكون سوى العراق.




* من معلقة طرفه بن العبد

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق