من أنا

صورتي
الدمام, المنطقة الشرقية, Saudi Arabia
كاتب يكتشف يوماً إثر يوم كم هو عاجز عن تتويج حروفه ما يلزمها من نقاط.

الاثنين، 9 أبريل 2012

أنأى .. فيدنو الموج (قصة قصيرة)


إلى البحر وجهي و ظهري للمدينة.
جرعات من علبة مرطب بارد تفشل في ما صنعت من اجله.
زخات من الهواء تصل تباعاً إلى الشاطئ تدفعني القهقرى فيهتز ثوبي كبيرقٍ منكسٍ مجبرٍ على الخفق. أدركت عبث تناول ما تبقى من المرطب. دلقت بعضه على الأرض المتربة بجوار الصخرة التي أقف عليها. تصاعدت الغازات المختزنة من فقاعات صغيرة تتكسر محدثةً صوتاً كصوت القلي. واصلتُ دلق السائلَ على شكل دائرة. ثم دفقتين متجاورتين بداخلها و أخرى حاولت أن تكون على بعدٍ متساوٍ من الدفقتين و أسفل منهما. تأملت ما صنعت. بدا كوجه ينقصه فم. سارعت بدلق كمية أسفل الأنف لم تكن موفقة فقد أتلفت اللوحة.
انتقلت إلى مساحة مجاورة..

 دائرة.. دفقتان.. ثم أخرى اسفلهما .. بحرص شديد حاولت رسم الفم لكني أتلفت اللوحة أيضا.

أصررت على المضي في اللعبة للمرة الثالثة و حين و صلت إلى الفم لم يكن قد تبقى شيء في العلبة. رميت بها إلى البحر. استقبلت سطح الماء بجانبها، استدارت حول نفسها. تدفق الماء إلى جوفها فأخذت و ضعا رأسياً إذ انغمر جزء منها. شَرعَت تتراقص بانسجام مع ارتجاج الوسط من حولها وحين ارتقت الارتجاجات إلى مستوى موجة كانت في مقدمته. اصطدمت بالصخور المحاذية للشاطئ فتجرعت قسراً بعض الماء. تواصل الموج.. تواصل الارتطام.. و البارزُ منها فوق سطح الماء يتضاءل حتى ابتلعها البحر.
أصوات اعرف كنهها بدأت تصلني من الخلف، استدرت لاستقبال المدينة شاهدت المد وقد أصبح قريباً من لوحتي الأخيرة بعد أن لحس الموج بعض قسماتها. أسرعت محاولا الانصراف إذ ظهرت مقدمة حشد يقترب تعلوه خرق ذات ألوان زاهية تخفق بشدة.
***

قراءة نقدية لقصة (أنأى فيدنو الموج)

هذه القصة هي قصة إنسان مأزوم يقف على الشاطئ في منطقة بين البحر واليابسة. يمارس سكب ما تبقى من علبة المرطب التي يحملها في الحد الفاصل بين الماء واليابسة. لكنه أثناء سكبه للمرطب أو العصير راح على نحو ما يرسم وجهاً، ثم دأب على رسم التفاصيل الأخرى من عيون وأنف وفم. لكنه في كل مرة يعجز أن يشكل الفم لأسباب بدت منسجمة مع روح القصة، والعبثية التي يشعر بها المتلقي. لكن هذه القصة أبعد ما تكون عن الفعل العابث، بل إن تميز الفعل كان في الإصرار على الوصول إلى هدف ما. لكن هذا الفعل ينقطع بفعل أصوات تأتي من الخلف، فما إن يسمعها هذا الشخص المأزوم حتى يشرع في مفارقة المكان.

          تنهج هذه القصة الأسلوب المتبع في أقاصيص الوصالي من اقتصاد في اللغة، وتناول حدث يبدو غير مهم في ظاهره، لكنه ينطوي على دلالات عميقة.  

          إنسان هذه القصة مأزوم، رغم أن القصة لا توضح سبب تأزمه على نحو صريح، لكن صيغة الحدث توحي بانعدام الفضاء المتاح للتعبير عن حضوره كإنسان. فتستعيض القصة عن كل الجمل الخطابية التي توضح عجزه عن البوح بما يشاء، بشيء في غاية الأهمية، وهو عجزه عن رسم فم للوحة شكلها على سطح اليابسة في الحد الفاصل بين الماء والتراب. فكلما اقترب من رسم الفم جاءت موجة لتلغي مشروعه. غير أنه لا يستسلم، فهو في كل مرة يعاود الكرة حتى داهمته أصوات دفعته على ترك فعله والهروب.

          إن تموضع الحدث في نقطة بين الماء واليابسة توحي بهشاشة الحياة التي يحياها. فليست صلبة بالقدر التي تستطيع معه أن تصمد، وأن تواجه. وبدلاً من ذلك فإنه يحاول التنفيس عن البحث عن صيغة للتعبير، لكن هذه الصيغة دائمة الاندثار. إنه إنسان يقف في منطقة هشة غير قادرة على التماسك. فكل الذي حاول أن يرسمه هو البحث عن صيغة للتعبير عما بداخله، لكنها ليست في المكان المناسب. فقد بدأت القصة بجملة في غاية الأهمية: "إلى البحر وجهي وظهري للمدينة"، وعندما حاول أن يعيد وجهه للمدينة في آخر القصة، لم يستطع أن يقاوم مد الأصوات التي أقبلت من اليابسة. فهو إنسان يعيش في غربة على المستوى النفسي تتضح أكثر عندما ننظر إلى الجزء الأول من الجملة: "إلى البحر وجهي". فهو قد هيأ نفسه لعالم يتحد فيه مع ذاته، لعله يتجاوز واقعه الذي سلبه بقدر ما يود أن يقوله.

          تذكرنا هذه القصة بقصة الآيسكريم حيث تفقد المرأة فرصة تحقيق الذات تحت تأثير قوى اجتماعية معينة. وإذا كنا نتفهم هذا الانكسار بالنسبة للمرأة، فإن ذلك يضع أكثر من علامة استفهام أمام انكسار الرجل وعدم استمراره في رسم فم يلهج بما فيه داخله.


د. حسن النعمي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق